أصدرت محكمة التمييز القطرية حكم يقر بالتزام شركة التأمين بسداد كامل مبلغ التأمين المتفق عليه في وثيقة التأمين الشامل على حوادث السيارات دون ندب خبير لتقدير نسبة الإهلاك

عبد الرحمن سمير الشربيني

8/14/2026

two Euro banknotes
two Euro banknotes

أصدرت محكمة التمييز القطرية حكم يقر بالتزام شركة التأمين بسداد كامل مبلغ التأمين المتفق عليه في وثيقة التأمين الشامل على حوادث السيارات دون ندب خبير لتقدير نسبة الإهلاك.

والمبادي التي قررتها محكمة التمييز:

( 1 ) عقد " من أركانه وشروط انعقاده : التراضي " .

العقد شريعة المتعاقدين . عدم استقلال أي من طرفيه بنقضه أو تعديله أو الإعفاء منه إلا في حدود ما يسمح به الاتفاق أو يقضي به القانون . م 171 مدني .

( 2 ) تأمين " عقد التأمين : التزام المؤمن" " التأمين على المسئولية الناشئة عن حوادث السيارات : استحقاق مبلغ التأمين" . عقد " عقد التأمين " . حكم " عيوب التدليل : الخطأ فـي تطبيق القانون : ما لا يعد كذلك " .

التأمين . ماهيته . م 771 مدني . انصراف عقد التأمين إلى الخطر أو الحادث الذي يخشى وقوعه . الاتفاق على مبلغ معين بوثيقة التأمين الشامل على حوادث السيارات . مؤداه . التزام شركة التأمين بدفع المبلغ المتفق عليه بالكامل للمستفيد عند وقوع الحادث . لا محل لندب خبير لبحث نسبة إهلاك السيارة من تاريخ الوثيقة وحتى وقوع الحادث . التزام الحكم المطعون فيه هذا النظر . صحيح .

الطعن رقم 205 لسنة 2015 – محكمة التمييز، الدائرة المدنية والتجارية – جلسة 17/10/2015

أولاً: بطاقة الحكم

البيان المحتوى

المحكمة محكمة التمييز

الدائرة الدائرة المدنية والتجارية

رقم الطعن 205 لسنة 2015

تاريخ الجلسة 17/10/2015

هيئة المحكمة د. ثقيل بن ساير الشمري، محمد خليفة البري، أسامة محمد البحيري، أحمد جلال عبد العظيم، وآخرون

موضوع الطعن التزام شركة التأمين بسداد مبلغ التأمين المتفق عليه في وثيقة التأمين الشامل على السيارات دون خصم نسبة إهلاك

المصدر البوابة القانونية القطرية (الميزان) - قسم الأحكام القضائية

ثانياً: وقائع النزاع محل الطعن

تتحصل وقائع الطعن - بحسب ما أورده الحكم - في أن المطعون ضده (المؤمَّن له) كان قد أقام الدعوى الأصلية أمام المحكمة المدنية الكلية طالباً إلزام شركة التأمين الطاعنة بأداء قيمة التأمين المتفق عليها في وثيقة تأمين شامل أبرمها معها على سيارته، وذلك إثر نشوب حريق في السيارة المؤمَّن عليها. وكانت وثيقة التأمين المبرمة بين الطرفين قد حددت قيمة التأمين في حالة نشوب حريق في السيارة بمبلغ (119.000) ريال قطري.

وقد صدر الحكم المطعون فيه لصالح المؤمَّن له بإلزام شركة التأمين بكامل هذا المبلغ، فطعنت الشركة عليه أمام محكمة التمييز، متمسكة بمخالفة الحكم القانون والخطأ في تطبيقه والقصور في التسبيب، على سند من أن المحكمة لم تُجب طلبها بندب خبير في الدعوى لتقدير نسبة إهلاك السيارة - من تاريخ إبرام وثيقة التأمين وحتى تاريخ وقوع الحادث - تمهيداً لخصم هذه النسبة من قيمة التعويض المستحق للمؤمَّن له.

ثالثاً: البناء الرسمي للمبدأين كما وردا في التصنيف الموضوعي للحكم

من المهم، قبل الدخول في التحليل، الوقوف على الصياغة الحرفية للمبدأين كما أوردها المكتب الفني بموسوعة الأحكام، ذلك أن هذه الصياغة تتبع منهج تصنيف موضوعي دقيق (تبويب) يُدرج تحت كل "عنوان رئيسي" عدداً من "العناوين الفرعية" التي تحدد بدقة موضع المبدأ من النظرية القانونية العامة. وفيما يلي نص المبدأين كاملاً:

(1) عقد " من أركانه وشروط انعقاده: التراضي ". العقد شريعة المتعاقدين. عدم استقلال أي من طرفيه بنقضه أو تعديله أو الإعفاء منه إلا في حدود ما يسمح به الاتفاق أو يقضي به القانون. م 171 مدني.

(2) تأمين " عقد التأمين: التزام المؤمن " " التأمين على المسئولية الناشئة عن حوادث السيارات: استحقاق مبلغ التأمين ". عقد " عقد التأمين ". حكم " عيوب التدليل: الخطأ في تطبيق القانون: ما لا يعد كذلك ". التأمين. ماهيته. م 771 مدني. انصراف عقد التأمين إلى الخطر أو الحادث الذي يخشى وقوعه. الاتفاق على مبلغ معين بوثيقة التأمين الشامل على حوادث السيارات. مؤداه. التزام شركة التأمين بدفع المبلغ المتفق عليه بالكامل للمستفيد عند وقوع الحادث. لا محل لندب خبير لبحث نسبة إهلاك السيارة من تاريخ الوثيقة وحتى وقوع الحادث. التزام الحكم المطعون فيه هذا النظر. صحيح.

يتضح من هذا البناء أن كل مبدأ يتفرع إلى عدة عناوين فرعية متداخلة، لكل منها دلالة قانونية مستقلة تستحق الوقوف عندها تفصيلاً، وهو ما نتناوله فيما يلي.

رابعاً: التحليل التفصيلي للتبويب الأول - "عقد: من أركانه وشروط انعقاده: التراضي"

1. لماذا صُنِّف المبدأ تحت عنوان "أركان العقد وشروط انعقاده"؟

اللافت في هذا التبويب أن المكتب الفني لم يُدرج القاعدة المتعلقة بالقوة الملزمة للعقد (المادة 171) تحت باب "آثار العقد" أو "تنفيذ الالتزامات التعاقدية" مباشرة، وإنما ربطها ابتداءً بـ"أركان العقد وشروط انعقاده"، وتحديداً بركن التراضي. ويكشف هذا الربط عن المنطق القانوني الكامن وراء الحكم: فالمحكمة لم تكتفِ بالتذكير بأن العقد ملزم بعد انعقاده، بل ردّت الإلزام إلى مصدره الأول، وهو أن ما ورد في وثيقة التأمين من تحديد "قيمة التأمين" بمبلغ (119.000) ريال هو نتاج تراضٍ فعلي بين الطرفين - شركة التأمين والمؤمَّن له - وقت التعاقد، بحيث يكون هذا المبلغ تعبيراً عن إرادتين متطابقتين اتفقتا عليه بمحض اختيارهما.

2. الأثر العملي لربط الإلزام بركن التراضي لا بمجرد "وجود عقد"

لهذا الربط دلالة عملية مهمة: فالمؤمِّن (شركة التأمين) لا يملك التحلل من الالتزام بالمبلغ المتفق عليه بحجة أن الظروف تغيرت لاحقاً (كنقص القيمة الفعلية للسيارة بسبب الإهلاك)، لأن ذلك يعني - من الناحية الفنية - محاولة لإعادة صياغة مضمون التراضي الذي تم وقت التعاقد بإرادة منفردة من أحد طرفيه بعد انعقاده، وهو ما تحول دونه صراحة عبارة "لا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقررها القانون" الواردة في المادة (171) مدني ذاتها. فالتراضي الذي انعقد به العقد هو ذاته الحدّ الذي يضبط ما يجوز وما لا يجوز إدخاله عليه من تعديل لاحق.

3. علاقة هذا التبويب بطبيعة عقود التأمين كعقود إذعان

تزداد أهمية هذا الربط حين نستحضر أن عقود التأمين تصنَّف فقهاً - في الغالب - ضمن عقود الإذعان، حيث تُعدّ الشركة المؤمِّنة هي الطرف الذي يضع شروط العقد سلفاً بصورة نمطية، ولا يملك المؤمَّن له إزاءها سوى القبول أو الرفض الإجمالي. وفي هذا السياق، فإن التأكيد على أن ما ورد في الوثيقة هو نتاج "تراضٍ" مُلزم يحمل بعداً حمائياً مزدوجاً: فمن جهة، يمنع المؤمَّن له من المطالبة بما يجاوز ما تراضى عليه صراحة في الوثيقة؛ ومن جهة أخرى - وهو الأهم في وقائع هذا الطعن - يمنع المؤمِّن (الطرف الذي صاغ الشروط) من التنصل مما التزم به صراحة في ذات الوثيقة بحجج لاحقة لم يشترطها هو نفسه وقت الصياغة.

خامساً: التحليل التفصيلي للتبويب الثاني - "تأمين: عقد التأمين: التزام المؤمن"

1. تمييز هذا العنوان الفرعي عن عنوان "استحقاق مبلغ التأمين"

يُلاحظ أن المكتب الفني أفرد لهذا المبدأ عنوانين فرعيين متتاليين تحت الباب الرئيسي "تأمين": الأول "عقد التأمين: التزام المؤمن"، والثاني "التأمين على المسئولية الناشئة عن حوادث السيارات: استحقاق مبلغ التأمين". وهذا التمييز ليس شكلياً، بل يعكس مرحلتين منطقيتين متعاقبتين في بناء الحكم:

المرحلة الأولى (التزام المؤمِّن): وتتعلق بتحديد ماهية الالتزام الذي يقع على عاتق شركة التأمين بوصفها طرفاً في عقد التأمين، وهي المرحلة التي استندت فيها المحكمة إلى التعريف العام للتأمين الوارد بالمادة (771) مدني، والذي يصف التزام المؤمِّن بأنه أداء "مبلغ من المال، أو إيراداً مرتباً، أو أي عوض مالي آخر" عند وقوع الحادث المؤمَّن منه.

المرحلة الثانية (استحقاق مبلغ التأمين): وتتعلق بتطبيق هذا الالتزام العام على الواقعة المحددة محل النزاع، وهي التأمين على المسؤولية الناشئة عن حوادث السيارات، وتحديد ما إذا كان المستفيد (المؤمَّن له) يستحق كامل المبلغ المتفق عليه في الوثيقة أم يستحق مبلغاً منقوصاً بنسبة إهلاك السيارة.

هذا الترتيب المنهجي - من "ماهية الالتزام" إلى "نطاق الاستحقاق الفعلي" - هو ما يفسر سبب استناد المحكمة إلى نص عام (المادة 771) قبل الانتقال إلى تطبيقه على وقائع بعينها.

2. ماهية التزام المؤمِّن كما استخلصتها المحكمة من المادة (771) مدني

استخلصت المحكمة من نص المادة (771) أن التأمين "ينصرف إلى الخطر أو الحادث الذي يخشى وقوعه"، وأن التزام المؤمِّن يتحدد بأداء عوض مالي عند تحقق هذا الخطر. والدلالة الدقيقة لهذه العبارة أن محل الالتزام في عقد التأمين ليس "تعويض الضرر الفعلي" بالمعنى الذي تقوم عليه المسؤولية المدنية التقصيرية (حيث يُقدَّر التعويض بقدر الضرر المتحقق فعلاً وقت وقوعه)، وإنما هو أداء المقابل المتفق عليه عند تحقق الخطر المؤمَّن منه، وهو ما يفتح الباب أمام الطرفين لتحديد هذا المقابل سلفاً بمبلغ متفق عليه (كما في التأمين "بقيمة متفق عليها")، دون ربطه إلزاماً بالقيمة الفعلية للشيء المؤمَّن عليه وقت الحادث.

وهذا الفارق الدقيق بين "التعويض عن الضرر الفعلي" و"أداء المبلغ المتفق عليه عند تحقق الخطر" هو حجر الزاوية الذي بنت عليه المحكمة رفضها لطلب ندب الخبير؛ إذ إن ندب الخبير لتقدير نسبة الإهلاك إنما يخدم منطق "التعويض عن الضرر الفعلي"، وهو منطق لا محل له متى كان العقد قد حدد الالتزام بأدائه سلفاً كمبلغ متفق عليه بصرف النظر عن القيمة الفعلية اللاحقة.

3. "التأمين على المسئولية الناشئة عن حوادث السيارات: استحقاق مبلغ التأمين" - تطبيق الالتزام على واقعة الحريق

في هذا العنوان الفرعي الثاني تنتقل المحكمة من التأصيل النظري إلى التطبيق العملي المباشر على وقائع الطعن؛ فتقرر أنه لما كان الثابت من وثيقة التأمين أن قيمة التأمين في حالة نشوب حريق في السيارة محددة بمبلغ (119.000) ريال، وكان هذا التحديد قد ورد دون تقييده بأي شروط (كاشتراط تقدير القيمة الفعلية أو خصم نسبة إهلاك)، فإن شركة التأمين تلتزم بأداء هذا المبلغ بالكامل عند تحقق الخطر المؤمَّن منه (الحريق)، وذلك بصرف النظر عن المدة التي انقضت بين تاريخ إبرام الوثيقة وتاريخ وقوع الحادث، وبصرف النظر عن أي تغيّر افتراضي طرأ على القيمة السوقية للسيارة خلال هذه المدة.

ويترتب على ذلك، منطقياً، أن طلب ندب خبير لبحث نسبة الإهلاك يكون "غير منتج في النزاع" بالتعبير الذي استخدمه الحكم ذاته؛ لأن الفصل في هذه المسألة الفنية (نسبة الإهلاك) لا أثر له على مقدار الالتزام المحدد سلفاً بنص العقد، ومن ثم فلا خطأ في تطبيق القانون يُنسب إلى الحكم المطعون فيه لإغفاله إجابة هذا الطلب، وهو ما يفسر التبويب الفرعي الثالث الوارد ضمن المبدأ الثاني: "حكم: عيوب التدليل: الخطأ في تطبيق القانون: ما لا يعد كذلك" - أي أن امتناع محكمة الموضوع عن ندب الخبير في هذه الحالة بعينها لا يشكل عيباً في التسبيب أو خطأً في تطبيق القانون، خلافاً لما كانت تطعن به شركة التأمين.

سادساً: الترابط بين التبويبين وأثره في البناء الكلي للحكم

يتضح مما سبق أن الحكم بُني على تسلسل منطقي محكم يمكن تلخيصه في أربع خطوات متتابعة:

التراضي هو الذي أنشأ الالتزام بمبلغ التأمين المحدد في الوثيقة (التبويب الأول).

القوة الملزمة للعقد (المادة 171) تمنع أي طرف من تعديل هذا الالتزام أو التحلل منه بإرادته المنفردة.

ماهية التزام المؤمِّن بحسب التعريف العام للتأمين (المادة 771) تتمثل في أداء المبلغ المتفق عليه عند تحقق الخطر، لا في تعويض الضرر الفعلي المقدَّر لاحقاً.

تطبيق ذلك على واقعة التأمين الشامل على حوادث السيارات يقتضي إلزام شركة التأمين بكامل المبلغ المتفق عليه دون خصم لنسبة الإهلاك، طالما لم تتضمن الوثيقة نصاً صريحاً يقيّد هذا الالتزام بمعيار القيمة الفعلية.

وهذا الترابط هو ما يمنح الحكم قيمته الاسترشادية العالية؛ إذ لا يكتفي بتقرير نتيجة (عدم خصم نسبة الإهلاك) بل يؤصّل لها من مصدرين متكاملين في القانون المدني: القواعد العامة لنظرية العقد، والتعريف الخاص لعقد التأمين.

سابعاً: قراءة مقارنة مع الإطار التشريعي العام لعقد التأمين

1. المقارنة مع القواعد العامة في نظرية العقد

يُبرز هذا الحكم تطبيقاً نموذجياً لمبدأ القوة الملزمة للعقد المنصوص عليه في المادة (171) من القانون المدني، بوصفه أحد أهم تطبيقات مبدأ سلطان الإرادة في القانون القطري. ومقارنة هذا التطبيق بمجال عقد التأمين تحديداً تكشف عن خصوصية هذا العقد؛ ذلك أن عقد التأمين - خلافاً لكثير من العقود الأخرى - يُصاغ عادة بصورة نمطية من جانب المؤمِّن (شركة التأمين)، بما يجعل التزام المحكمة الصارم بحرفية ما ورد في الوثيقة، دون توسع تفسيري لمصلحة الطرف الذي صاغها، أداة توازن مهمة تحول دون أن يستغل المؤمِّن مركزه في صياغة العقد لإدخال قيود تفسيرية لاحقة لم يُفصح عنها صراحة وقت التعاقد.

2. المقارنة مع الإطار التنظيمي لقطاع التأمين في قطر

يعمل هذا الحكم في سياق تشريعي أوسع يحكم قطاع التأمين في دولة قطر، والذي يخضع لرقابة مصرف قطر المركزي بموجب القانون المنظم لإنشائه، إلى جانب أحكام القانون المدني التي تُعد الشريعة العامة لعقد التأمين فيما لم يرد بشأنه نص خاص. وتفرض هذه المنظومة على شركات التأمين، بصفة عامة، الالتزام بالشفافية في صياغة الشروط التي من شأنها تقييد التزاماتها أو الانتقاص منها، وهو ما يتسق مع منطق الحكم محل التعليق الذي رفض السماح لشركة التأمين بإدخال معيار "نسبة الإهلاك" - وهو معيار لم يرد له ذكر في نص الوثيقة - كأداة لتخفيض التزامها الثابت بنص العقد.

3. الفارق بين "قيمة التأمين المتفق عليها" و"القيمة الفعلية وقت الحادث" في التصنيف الفقهي لعقود التأمين

يمكن أن يُستأنس، في تعميق هذه المقارنة، بالتمييز الفقهي المستقر بين نوعين من أسلوب تحديد مبلغ التأمين في وثائق التأمين على الأشياء:

أسلوب "القيمة المتفق عليها" (Agreed Value): وفيه يحدد الطرفان مبلغاً ثابتاً كقيمة تأمين نهائية عند التعاقد، ويلتزم المؤمِّن بأدائه كاملاً عند تحقق الخطر، وهو الأسلوب الذي طبّقته المحكمة في واقعة هذا الطعن.

أسلوب "القيمة الفعلية" (Actual Cash Value): وفيه يُقيَّد التزام المؤمِّن بالقيمة السوقية الفعلية للشيء المؤمَّن عليه وقت وقوع الحادث، بعد خصم الإهلاك، وهو أسلوب يستلزم تحديده الصريح في نص الوثيقة حتى يكون واجب الإعمال.

وحيث إن وثيقة التأمين محل النزاع - بحسب ما أثبته الحكم - لم تتضمن ما يفيد الأخذ بالأسلوب الثاني، فقد كان تطبيق الأسلوب الأول (القيمة المتفق عليها) هو المتعين قانوناً، وهو ما استقر عليه قضاء المحكمة.

4. القيمة الاسترشادية للحكم في المنازعات المماثلة

يوفر هذا الحكم معياراً تفسيرياً واضحاً يمكن الاسترشاد به عند نظر منازعات مشابهة تتعلق بتحديد نطاق التزام شركة التأمين في عقود التأمين الشامل على المركبات، ومؤداه أن الفيصل في تحديد مقدار الالتزام هو نص الوثيقة ذاته: فإن كانت الوثيقة قد نصت على "قيمة تأمين" محددة دون قيد، وجب القضاء بها كاملة عند تحقق الخطر المؤمَّن منه، أياً كانت حجة المؤمِّن اللاحقة بشأن انخفاض القيمة السوقية الفعلية للمركبة. أما إن تضمنت الوثيقة صراحة آلية لتقدير القيمة الفعلية وقت الحادث (كأن تنص على تعويض "بالقيمة السوقية وقت الحادث" أو ما شابه ذلك من عبارات)، فإن لجوء المحكمة إلى ندب خبير لتحديد هذه القيمة يكون عندئذ إجراءً منتجاً وواجب الإجابة إليه.

ثامناً: الأثر العملي للحكم وتطبيقاته على أرض الواقع

يمكن استخلاص الاستخدامات العملية التالية لهذا الحكم:

مرجعية للمؤمَّن لهم في مواجهة محاولات تخفيض التعويض: يشكل الحكم سنداً قانونياً واضحاً لكل مؤمَّن له تسعى شركة التأمين إلى تخفيض قيمة تعويضه عن طريق طلب تقدير نسبة إهلاك المركبة، رغم أن وثيقة التأمين المبرمة معه قد حددت "قيمة تأمين" ثابتة دون أي قيد من هذا النوع.

ضابط للمحاكم عند الفصل في طلبات ندب الخبراء: يوفر الحكم معياراً عملياً للمحاكم عند تقدير جدوى إجابة طلب ندب خبير في منازعات التأمين على السيارات، مؤداه ضرورة الرجوع أولاً إلى نص الوثيقة لتحديد ما إذا كانت المسألة المطلوب بحثها (نسبة الإهلاك) منتجة أصلاً في تحديد مقدار الالتزام، أم أنها مسألة حسمها العقد سلفاً بتحديد قيمة ثابتة.

دليل استرشادي عند صياغة وثائق التأمين ومراجعتها: يُنبّه الحكم شركات التأمين، من الناحية العملية، إلى ضرورة إدراج أي شرط يتعلق بتقدير القيمة الفعلية للمركبة أو خصم نسبة الإهلاك بشكل صريح وواضح في متن وثيقة التأمين وقت التعاقد، وعدم التعويل على تقدير هذه العوامل لاحقاً بعد وقوع الحادث ما لم يكن العقد قد نص على ذلك ابتداءً.

تطبيق عملي لمبدأ سلطان الإرادة في عقود الإذعان: يصلح الحكم مرجعاً في كل نزاع تُثار فيه محاولة أحد طرفي عقد نمطي (كعقود التأمين أو الخدمات المصرفية) إعادة تفسير التزاماته بما يخالف صريح ما ورد في العقد المكتوب، إذ يؤكد الحكم على أن الأصل هو الالتزام بحرفية ما اتُّفق عليه، ولا محل للخروج عن ذلك إلا بموجب اتفاق الطرفين أو نص قانوني صريح.

معيار للتمييز بين "عدم إجابة طلب ندب خبير" الصحيح والمعيب: يقدم التبويب الفرعي الثالث للمبدأ الثاني ("عيوب التدليل: الخطأ في تطبيق القانون: ما لا يعد كذلك") معياراً مهماً للمحامين عند صياغة أسباب الطعن بالتمييز؛ إذ يوضح أن الطعن بالقصور في التسبيب لعدم إجابة طلب ندب خبير لا يكون مقبولاً إلا إذا كان هذا الطلب منتجاً فعلاً في النزاع، أما إن كان الفصل فيه لا يغيّر من النتيجة القانونية شيئاً - كما هو الحال هنا - فلا يُعد الامتناع عن إجابته عيباً في التسبيب.

تاسعاً: خاتمة تقييمية

يمثل هذا الحكم تطبيقاً متزناً ودقيقاً لمبدأ القوة الملزمة للعقد على عقود التأمين الشامل على السيارات، إذ يوازن بين احترام الإرادة العقدية الصريحة للطرفين من جهة، وبين حماية المؤمَّن له - بوصفه الطرف الأضعف عادة في العلاقة التعاقدية مع شركة التأمين - من محاولات تفسير الالتزام التعاقدي على نحو يُخالف صريح عبارة الوثيقة من جهة أخرى. وتكمن قيمة الحكم المضافة تحديداً في ربطه المحكم بين ثلاثة مستويات من التحليل القانوني: ركن التراضي بوصفه مصدر الالتزام، القوة الملزمة للعقد بوصفها الضامن لبقائه كما اتُّفق عليه، والتعريف الخاص لعقد التأمين بوصفه المعيار الذي يحدد طبيعة هذا الالتزام تحديداً بأنه أداء لمبلغ متفق عليه لا تعويض عن ضرر فعلي متغير.

وتبقى التوصية العملية لكل من يتعامل مع وثائق التأمين على المركبات - سواء من المؤمَّن لهم أو من شركات التأمين - أن يُولي عناية خاصة لصياغة بند "قيمة التأمين" في الوثيقة، بحيث تتحدد فيه بوضوح آلية احتساب مبلغ التعويض المستحق عند تحقق كل خطر من الأخطار المؤمَّن منها (أسلوب القيمة المتفق عليها أو أسلوب القيمة الفعلية)، تجنباً لأي نزاع لاحق حول مدى إمكان إخضاع هذا المبلغ لتقدير قضائي أو فني لاحق.

مصادر المقال

نص الحكم: الطعن رقم 205 لسنة 2015، محكمة التمييز (الدائرة المدنية والتجارية)، جلسة 17/10/2015 - البوابة القانونية القطرية (الميزان).

القانون المدني القطري الصادر بالقانون رقم (22) لسنة 2004 - المادتان (171) و(771) - البوابة القانونية القطرية (الميزان) وموسوعة الأحكام والمبادئ القضائية القطرية (المجلس الأعلى للقضاء).