أصدرت محكمة التمييز القطرية حكمها بشأن تسوية معاش عضو النيابة العامة المحال إلى التقاعد بطلبه

عبد الرحمن سمير الشربيني

8/14/2026

أصدرت محكمة التمييز القطرية حكمها بشأن تسوية معاش عضو النيابة العامة المحال إلى التقاعد بطلبه: قراءة في نطاق إعمال الحكم الانتقالي بالمادة (82) من قانون التأمينات الاجتماعية

وأقرت المبدأ الآتي : -

طلبات القضاة وأعضاء النيابة العامة "الحقوق التأمينية لأعضاء النيابة العامة: حالة طلب التقاعد قبل بلوغ سنّ الستين".

طلب عضو النيابة العامة إحالته للتقاعد بعد بلوغه الخامسة والخمسين وقبل بلوغه الستين. لا أثر له على حقوقه التأمينية. (م 53، 54 من قانون النيابة العامة)؛ مؤداه تمتّعه بذات الحقوق التأمينية المقررة لمن انتهت ولايته ببلوغ سن الستين، ويعامل بذات معاملته عند تسوية معاشه، ولا يغير من ذلك ما ورد بقانون التأمينات الاجتماعية من اشتراط بلوغ سنّ الستين. علة ذلك. تطبيق ما ورد بقانون النيابة العامة باعتباره قانوناً خاصاً. انتهاء خدمة الطالب بناءً على طلبه عن عمر ثماني وخمسين سنة مع بلوغ مدة اشتراكه ما يزيد على عشرين سنة. استحقاقه لتسوية معاشه على أساس مدة اشتراك مقدارها ثلاثون سنة، والتزام الخزانة العامة بسداد فروق مدة الاشتراك.

الطعن رقم 605 لسنة 2025 – محكمة التمييز (المواد المدنية والتجارية) – جلسة 17/11/2025

أولاً: تقديم عام بالحكم

يعرض هذا المقال لحكمٍ حديث الصدور عن محكمة التمييز القطرية، صدر بجلسة 17 نوفمبر 2025 في الطعن رقم 605 لسنة 2025، وتتلخص أهميته في أنه يُجلّي، بأسلوب تأصيلي متكامل، مسألتين على قدرٍ بالغ من الأهمية العملية:

الأولى إجرائية بحتة، وتتعلق بتحديد المحكمة المختصة بنظر منازعات المعاشات الخاصة بأعضاء النيابة العامة، ومدى خضوع هذه المنازعات لشرط العرض المسبق على لجنة فض المنازعات المنصوص عليها في قانون التأمينات الاجتماعية.

والثانية موضوعية، وتتعلق بتفسير نطاق الحكم الانتقالي الوارد في المادة (82) من قانون التأمينات الاجتماعية الصادر بالقانون رقم (1) لسنة 2022، وتحديداً مدى امتداد هذا الحكم إلى عضو النيابة العامة الذي يُحال إلى التقاعد بناءً على طلبه بعد بلوغه سن الخامسة والخمسين، وقبل بلوغه سن التقاعد الأصلية (الستين).

وسنتناول الحكم بالتحليل وفق الترتيب الذي اتبعته المحكمة ذاتها في أسبابها، مع وقفة مقارنة مع الإطار التشريعي ذي الصلة كما هو موثق في البوابة القانونية القطرية (الميزان) وموسوعة الأحكام والمبادئ القضائية الصادرة عن المجلس الأعلى للقضاء، ثم نختم بتقييم عملي لما أضافه الحكم وأثره على حالات مماثلة.

ثانياً: وقائع النزاع محل الطعن

تتحصل وقائع الطلب - بحسب ما أثبته الحكم - في أن الطالب، وهو أحد أعضاء النيابة العامة السابقين ممن تدرّج في وظائفها حتى شغل منصب مدير إدارة التفتيش القضائي بدرجة محامٍ عام أول، تقدّم بطلب أمام محكمة التمييز يطالب فيه بإلزام الهيئة العامة للتقاعد والتأمينات الاجتماعية بتعديل معاشه التقاعدي وتسويته وفقاً لأحكام القانون، مستنداً إلى أن الهيئة سوّت معاشه بالمخالفة لحكم المادة (82) من قانون التأمينات الاجتماعية.

وكانت خدمته قد انتهت بالإحالة إلى التقاعد بناءً على طلبه وهو في سن الثامنة والخمسين، أي بعد بلوغه سن الخامسة والخمسين المخوّلة لعضو النيابة طلب الإحالة إلى التقاعد، وقبل بلوغه سن الستين وهي السن الأصلية للإحالة الإجبارية. وكانت مدة اشتراكه في التأمين قد جاوزت العشرين سنة.

وقد تمسّكت الهيئة المطلوب ضدها بدفعين شكليين قبل التعرض للموضوع: الأول بعدم اختصاص محكمة التمييز بنظر الطلب، والثاني بعدم قبوله لعدم سبق اللجوء إلى لجنة فض المنازعات المشكّلة بالهيئة العامة للتقاعد والتأمينات الاجتماعية، طالبة احتياطياً رفض الطلب في الموضوع.

ثالثاً: المسألة الأولى - الاختصاص الولائي لمحكمة التمييز بمنازعات معاشات أعضاء النيابة العامة

1. الأساس التشريعي الذي اعتمدته المحكمة

استندت المحكمة في حسم الدفع بعدم الاختصاص إلى نصين تشريعيين متكاملين:

المادة (10) من قانون السلطة القضائية الصادر بالقانون رقم (8) لسنة 2023، التي تنص على اختصاص إحدى دوائر محكمة التمييز - دون غيرها - بالفصل في الطلبات التي يقدمها القضاة لإلغاء القرارات الإدارية النهائية المتعلقة بشؤونهم الوظيفية، وكذلك بالمنازعات الخاصة بالرواتب والمعاشات والمكافآت المستحقة لهم أو لورثتهم.

المادة (66) من قانون النيابة العامة الصادر بالقانون رقم (9) لسنة 2023، التي أحالت منازعات أعضاء النيابة العامة المتعلقة بالقرارات الإدارية النهائية، وطلبات التعويض عنها، وكذلك طلباتهم المتعلقة بالرواتب والمعاشات والمكافآت، إلى ذات الدائرة المختصة بمحكمة التمييز المنصوص عليها في المادة (10) من قانون السلطة القضائية.

وخلصت المحكمة من هذين النصين إلى أن المشرّع قد أخرج منازعات القضاة وأعضاء النيابة العامة الوظيفية - بما فيها منازعات المعاشات - من الولاية العامة للقضاء الإداري بدرجتيه (الابتدائية والاستئنافية)، وأناط الفصل فيها حصراً بدائرة متخصصة في محكمة التمييز، بوصف ذلك امتيازاً إجرائياً يتصل بطبيعة الوظيفة القضائية والنيابية ومقتضياتها.

2. الدلالة العملية لهذا التكييف

يترتب على هذا التوجه أثر عملي بالغ الأهمية لكل عضو نيابة عامة أو قاضٍ سابق ينازع في تسوية معاشه: فخلافاً للقاعدة العامة التي تحيل منازعات المعاشات - بالنسبة لسائر الموظفين والعاملين الخاضعين لقانون التأمينات الاجتماعية - إلى المحاكم المدنية أو الإدارية بحسب طبيعة العلاقة الوظيفية، فإن منازعات القضاة وأعضاء النيابة العامة تُرفع ابتداءً وبصفة نهائية أمام محكمة التمييز ذاتها، بما تحمله هذه الصياغة من معنى الفصل على درجة واحدة استثناءً من التقاضي على درجتين.

وهذا ما يفسر تصنيف الطعن على موقع موسوعة الأحكام تحت "المواد المدنية والتجارية" رغم أن جوهر النزاع وظيفي - تأميني بطبيعته؛ إذ إن الاختصاص بنظره وإن كان قد أُسند إلى دائرة متخصصة، إلا أن تصنيفه الإجرائي يبقى ضمن نطاق عمل محكمة التمييز في مسائلها المدنية.

رابعاً: المسألة الثانية - عدم خضوع منازعات أعضاء النيابة العامة لشرط العرض المسبق على لجنة فض المنازعات

هذه هي المسألة الإجرائية الثانية التي أثارتها الهيئة المطلوب ضدها، ومفادها أن قانون التأمينات الاجتماعية يشترط - كأصل عام - العرض المسبق على لجنة فض المنازعات المشكّلة بالهيئة العامة للتقاعد والتأمينات الاجتماعية قبل اللجوء إلى القضاء، عملاً بالقيد الإجرائي الوارد في المادة (71) من ذات القانون.

غير أن المحكمة طبّقت هنا قاعدة تفسيرية جوهرية في التعامل بين النصوص الخاصة والعامة، ومؤداها أنه: "مع قيام قانون خاص، لا يُرجع إلى أحكام القانون العام إلا فيما فات القانون الخاص من الأحكام". وبما أن قانون النيابة العامة قد أفرد لمنازعات أعضائها المتعلقة بالمعاشات نصاً خاصاً (المادة 66) يُحيلها مباشرة إلى الدائرة المختصة بمحكمة التمييز، فإن هذا التنظيم الخاص يستوعب كامل الإجراء المتبع في هذه المنازعات، ولا يبقى معه مجال لتطبيق القيد الإجرائي العام الوارد بالمادة (71) من قانون التأمينات الاجتماعية، والذي وُضع أصلاً لتنظيم منازعات عموم المؤمَّن عليهم الخاضعين للولاية العادية للقضاء.

وقد رتّبت المحكمة على ذلك رفض الدفع بعدم القبول، تأسيساً على انعدام الأساس القانوني له، لا لتخلف شرط شكلي بحت.

الأهمية العملية: هذا التوجه يعني عملياً أن عضو النيابة العامة أو القاضي المتقاعد ليس ملزماً باستنفاد مرحلة التظلم الإداري أمام لجنة فض المنازعات قبل رفع طلبه مباشرة أمام محكمة التمييز، خلافاً لما هو مُتّبع بالنسبة لعموم المؤمَّن عليهم الخاضعين لقانون التأمينات الاجتماعية، الذين يُشترط في حقهم استنفاد هذا الطريق أولاً بحسب المادة (71) من القانون ذاته.

خامساً: المسألة الجوهرية - نطاق إعمال الحكم الانتقالي بالمادة (82) من قانون التأمينات الاجتماعية

1. الإطار التشريعي للمعاش وفق قانون التأمينات الاجتماعية رقم (1) لسنة 2022

استعرض الحكم منظومة النصوص ذات الصلة استعراضاً متدرجاً ومترابطاً:

المادة (24): تحدد حالات استحقاق المعاش (الوفاة، العجز، بلوغ سن الإحالة للتقاعد بما لا يقل عن ستين سنة، الاستقالة، وغيرها)، وتشترط في غير حالتي الوفاة والعجز ألا تقل مدة الاشتراك عن خمس وعشرين سنة، منها عشرون سنة خدمة فعلية على الأقل.

المادة (26): تضع أسس تسوية المعاش تبعاً لسبب انتهاء الخدمة (ثلاثون سنة في حالتي الوفاة أو العجز الناتج عن إصابة عمل، خمس وعشرون سنة في حالتي الوفاة أو العجز غير الناتج عن إصابة عمل، ومدة الاشتراك الفعلية في الحالات الأخرى).

المادة (82): وهي محور النزاع، وتتضمن حكماً انتقالياً استثنائياً لمصلحة فئة معينة ممن كانوا خاضعين لأحكام القانون الملغى رقم (24) لسنة 2002 بشأن التقاعد والمعاشات، ولم يبلغوا سن الإحالة للتقاعد إلا بعد بدء العمل بقانون التأمينات الاجتماعية الجديد. ويقرر هذا النص، استثناءً من شرط مدة الاشتراك المنصوص عليه بالمادة (24/فقرة ثانية)، فئتين:

الفئة الأولى: من بلغت مدة اشتراكه عشرين سنة فأكثر عند بلوغ سن التقاعد، ويُسوّى معاشه على أساس مدة اشتراك مقدارها ثلاثون سنة.

الفئة الثانية: من كانت مدة اشتراكه بين خمس عشرة سنة وأقل من عشرين سنة، ويُسوّى معاشه على أساس مدة تتراوح بين خمس وعشرين وتسع وعشرين سنة بحسب مدة اشتراكه الفعلية.

وتلتزم الخزانة العامة للدولة بسداد الفارق بين مدة الاشتراك الفعلية والمدة التي يُسوّى عليها المعاش، بما يجعل هذا الحكم مظلة تأمينية انتقالية تحمي من كانوا يعملون تحت مظلة القانون القديم من أثر تخفيض المعاش نتيجة التحول إلى النظام الجديد.

2. شروط تطبيق المادة (82) كما حددتها المحكمة

استخلصت المحكمة من مجموع هذه النصوص، وبأسلوب تأصيلي دقيق في التفسير القانوني يقوم على مبدأ ترابط النصوص التشريعية في القانون الواحد وتفسير بعضها في ضوء بعض، أن الاستفادة من الحكم الانتقالي بالمادة (82) تستلزم توافر شرطين مجتمعين:

أن تتوافر للمؤمَّن عليه مدة اشتراك لا تقل عن خمس عشرة سنة.

أن يكون استحقاقه للمعاش قد نشأ عن الحالة الواردة بالبند (3) من المادة (24)، أي بلوغ سن الإحالة المقررة للتقاعد.

3. المسألة الفاصلة: هل يعتبر عضو النيابة العامة الذي يُحال للتقاعد بطلبه عند الخامسة والخمسين "بالغاً سن التقاعد"؟

هنا يكمن جوهر الإسهام التفسيري للحكم؛ إذ إن ظاهر نص المادة (24/بند3) يشترط ألا يقل سن انتهاء الخدمة عن ستين سنة لاعتبار انتهاء الخدمة قائماً على "بلوغ سن الإحالة للتقاعد"، في حين أن الطالب في واقعة الطعن قد أُحيل إلى التقاعد وهو في الثامنة والخمسين، أي دون سن الستين.

غير أن المحكمة ربطت هذا النص بالنصوص الخاصة الواردة في قانون النيابة العامة ذاته، وبالتحديد:

المادة (52): تُدرج بلوغ سن التقاعد ضمن أسباب انتهاء ولاية عضو النيابة العامة.

المادة (53): تحدد سن التقاعد لأعضاء النيابة العامة بستين سنة، وتُجيز لعضو النيابة بعد بلوغه الخامسة والخمسين أن يطلب إحالته إلى التقاعد، ويكون طلبه مقبولاً من تاريخ تقديمه.

المادة (54): تقرر عدم ترتب الحرمان من المعاش أو المكافأة على تقديم عضو النيابة استقالته.

وبناءً على هذا الترابط النصي، أرست المحكمة مبدأً تفسيرياً مهماً مؤداه أن حق عضو النيابة العامة في طلب الإحالة إلى التقاعد عند بلوغه الخامسة والخمسين هو ميزة ورخصة قرّرها له المشرّع تكريماً لدوره ومراعاةً لطبيعة رسالته، وليس قيداً ينتقص من حقوقه التأمينية. وأن القول بغير ذلك - أي اعتبار من يطلب الإحالة عند الخامسة والخمسين في مركز أدنى ممن تُنهى خدمته ببلوغ الستين - يُفرغ هذه الرخصة من مضمونها، ويحوّل ما قصد به المشرّع نفعاً لعضو النيابة إلى إضرار به، وهو ما يتنزّه عنه المشرّع.

وترتيباً على ذلك، قررت المحكمة أن عضو النيابة العامة الذي يطلب إحالته للتقاعد بعد بلوغه الخامسة والخمسين وقبل بلوغه الستين يُعامل ذات معاملة من انتهت خدمته ببلوغ سن الستين عند تسوية معاشه، ولا ينال من ذلك ظاهر نص المادة (24/بند3) من قانون التأمينات الاجتماعية، إعمالاً لقاعدة تخصيص العام بالخاص، ولمبدأ أن قيام القانون الخاص (قانون النيابة العامة) يوجب الالتزام بأحكامه، ولا يُرجع إلى القواعد العامة (قانون التأمينات الاجتماعية) إلا فيما لم يرد بشأنه نص خاص.

4. النتيجة التي انتهت إليها المحكمة

تأسيساً على ما تقدم، وحيث ثبت أن الطالب انتهت خدمته بالإحالة إلى التقاعد بناءً على طلبه عن عمر ثماني وخمسين سنة، وكانت مدة اشتراكه تزيد على عشرين سنة، فقد اعتبرته المحكمة مستوفياً لمناط إعمال الحكم الانتقالي بالمادة (82)، وقضت بأحقيته في تسوية معاشه على أساس مدة اشتراك مقدارها ثلاثون سنة، مع التزام الخزانة العامة للدولة بسداد الفارق بين مدة اشتراكه الفعلية والمدة التي يُسوّى عليها معاشه.

سادساً: قراءة مقارنة مع الإطار التشريعي والقضائي ذي الصلة

1. المقارنة مع النظام السابق (القانون رقم 24 لسنة 2002 بشأن التقاعد والمعاشات)

بالرجوع إلى القانون الملغى رقم (24) لسنة 2002 بشأن التقاعد والمعاشات، الموثق على البوابة القانونية القطرية (الميزان)، يتبين أن أسلوب حساب المعاش فيه كان يقوم على أساس نسبة مئوية من متوسط الراتب في السنوات الأخيرة من الخدمة مضروبة في عدد سنوات الخدمة الفعلية، وهو أسلوب حساب يختلف جوهرياً عن أسلوب "مدة الاشتراك الافتراضية" الذي جاء به قانون التأمينات الاجتماعية الجديد. وقد جاءت المادة (82) تحديداً لتُنشئ جسراً تأمينياً يحمي من كانوا يخدمون تحت مظلة القانون القديم من أثر التحول المفاجئ إلى معايير القانون الجديد، بما يفسر منطق الحكم الانتقالي ومبرره التشريعي الذي بنت عليه المحكمة تفسيرها الموسّع نسبياً - وإن كان تفسيراً منضبطاً بشروط محددة لا توسعاً غير مقيّد.

2. المقارنة مع الأحكام التنظيمية اللاحقة للحكومة بشأن التقاعد المبكر

من المفيد - في سياق فهم السياسة التشريعية العامة التي تحكم هذه المرحلة الانتقالية - الإشارة إلى أن مجلس الوزراء قد أصدر لاحقاً قراراً تنظيمياً بشأن شروط استحقاق المعاش المبكر، يسري على من انتهت خدمته ابتداءً من تاريخ العمل بقانون التأمينات الاجتماعية في 3 يناير 2023، وأضاف ميزات استثنائية لبعض حالات انتهاء الخدمة تحقيقاً لذات الغاية التي توختها المادة (82)، أي إقامة أحكام انتقالية عادلة بين النظام الملغى والنظام الحالي. ويُلاحظ أن هذا القرار التنظيمي جعل الطعن على قرارات لجنة فض المنازعات الخاصة به أمام محكمة الاستئناف، وهو ما يُبرز مرة أخرى - بالمقارنة - خصوصية الطريق الإجرائي المقرر لأعضاء النيابة العامة والقضاة، الذين تنعقد الولاية بشأن منازعاتهم لمحكمة التمييز مباشرة دون المرور بمسار التظلم الإداري العام ذاته.

3. اتساق الحكم مع منهج محكمة التمييز في التفسير القانوني

استندت المحكمة في مطلع تسبيبها الموضوعي إلى مبدأ تفسيري عام مستقر في قضائها، مؤداه أن تفسير النص القانوني الحاكم للواقعة يقتضي الوقوف على المعنى الكاشف عن إرادة المشرّع، وأن النصوص المختلفة في القانون الواحد مرتبطة فيما بينها، بما يوجب تفسير كل نص بالرجوع إلى سائر النصوص الأخرى ذات الصلة لا في معزل عنها. وهذا المنهج التفسيري - القائم على الترابط العضوي بين النصوص لا التفسير الحرفي المنعزل - هو ما مكّن المحكمة من الربط بين نصوص قانون التأمينات الاجتماعية ونصوص قانون النيابة العامة، رغم تعدد المصدر التشريعي لكل منهما، وصولاً إلى نتيجة تحقق الغاية التشريعية من الحكم الانتقالي دون الوقوف عند حرفية عبارة "بلوغ سن الإحالة للتقاعد" بمعزل عن السياق الوظيفي الخاص بأعضاء النيابة العامة.

سابعاً: الأثر العملي للحكم وتطبيقاته على أرض الواقع

يمكن تلخيص الاستخدامات العملية لهذا الحكم فيما يلي:

مرجعية إجرائية لأعضاء النيابة العامة والقضاة المتقاعدين: يُعد الحكم سنداً واضحاً لكل قاضٍ أو عضو نيابة عامة سابق ينازع في تسوية معاشه، من حيث تحديد الجهة القضائية المختصة (دائرة متخصصة بمحكمة التمييز) دون حاجة لعرض النزاع أولاً على لجنة فض المنازعات بالهيئة العامة للتقاعد والتأمينات الاجتماعية.

مرجعية موضوعية لتسوية معاشات من أُحيلوا للتقاعد بطلبهم بين سن 55 و60: يوفر الحكم أساساً قضائياً لكل عضو نيابة عامة - وبالقياس، وفق ذات المنطق التشريعي، لكل قاضٍ ممن تحكمهم نصوص مماثلة - طلب إحالته إلى التقاعد بين سن الخامسة والخمسين والستين، للمطالبة بتسوية معاشه على أساس معاملته معاملة من بلغ سن الستين، متى توافرت له مدة اشتراك لا تقل عن خمس عشرة سنة.

ضابط دقيق لعدم التوسع: في الوقت ذاته، يضع الحكم ضابطاً واضحاً لعدم امتداد الاستفادة من المادة (82) إلا لمن كان خاضعاً لأحكام القانون الملغى رقم (24) لسنة 2002 قبل انتقاله لأحكام القانون الجديد، ولمن توافر له الشرطان سالفا الذكر معاً؛ فلا يستفيد من هذا الحكم الانتقالي من انتهت خدمته لأسباب أخرى غير بلوغ سن التقاعد (كالاستقالة العادية دون طلب إحالة، أو الفصل التأديبي)، ولا من قلّت مدة اشتراكه عن خمس عشرة سنة.

نموذج تفسيري يُحتذى في تنازع القوانين الخاصة والعامة: يصلح الحكم مرجعاً استرشادياً في كل نزاع تتزاحم فيه أحكام قانون التأمينات الاجتماعية بوصفه شريعة عامة للتأمين الاجتماعي، مع نصوص خاصة واردة في قوانين تنظيم وظائف معينة (كالقضاء والنيابة العامة، وقياساً عليها فئات أخرى كأعضاء السلك الدبلوماسي أو العسكريين متى وُجد نص خاص مماثل)، من حيث تقرير أولوية النص الخاص وعدم الرجوع للعام إلا فيما سكت عنه الخاص.

ثامناً: خاتمة تقييمية

يمثل هذا الحكم إضافة نوعية إلى المبادئ القضائية المستقرة في مجال منازعات المعاشات المتصلة بالوظيفة القضائية والنيابية في دولة قطر، من زاويتين: فمن الناحية الإجرائية، رسّخ الحكم استقلالية المسار القضائي الخاص بمنازعات معاشات القضاة وأعضاء النيابة العامة عن المسار العام المقرر لعموم المؤمَّن عليهم، بما يحقق سرعة الفصل في هذه المنازعات ذات الطابع الوظيفي الخاص. ومن الناحية الموضوعية، أرسى الحكم تفسيراً متوازناً لنطاق الحكم الانتقالي بالمادة (82) من قانون التأمينات الاجتماعية، يوفّق بين حرفية النص العام وبين الغاية التشريعية من الرخصة الخاصة المقررة لأعضاء النيابة العامة في طلب الإحالة المبكرة للتقاعد، دون أن ينحرف بهذا التفسير إلى توسع غير منضبط، بل قيّده بشرطين واضحين قابلين للتطبيق على الحالات المماثلة.

ويبقى التوصية العملية لكل معنيّ بهذا الموضوع أن يراجع أوضاعه في ضوء الشرطين اللذين وضعهما الحكم (مدة الاشتراك، وسبب انتهاء الخدمة)، وأن يلتزم في حال المنازعة بالمسار الإجرائي الصحيح المتمثل في التقدم بطلبه مباشرة أمام الدائرة المختصة بمحكمة التمييز دون العرض المسبق على لجنة فض المنازعات، تفادياً لأي إشكال إجرائي قد يُطيل أمد التقاضي.

مصادر المقال

نص الحكم: الطعن رقم 605 لسنة 2025، محكمة التمييز (المواد المدنية والتجارية)، جلسة 17/11/2025.

قانون السلطة القضائية الصادر بالقانون رقم (8) لسنة 2023 - البوابة القانونية القطرية (الميزان) وموسوعة الأحكام والمبادئ القضائية القطرية.

قانون النيابة العامة الصادر بالقانون رقم (9) لسنة 2023.

قانون التأمينات الاجتماعية الصادر بالقانون رقم (1) لسنة 2022 - موسوعة الأحكام والمبادئ القضائية (المجلس الأعلى للقضاء).

القانون الملغى رقم (24) لسنة 2002 بشأن التقاعد والمعاشات - البوابة القانونية القطرية (الميزان).